الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

298

مناهل العرفان في علوم القرآن

يبدله ، فلم يفعل ، وما ذاك إلا لأن القرآن ليس كلامه ، بل هو خارج عن طوقه ، آت من فوقه ، ولو كان كلامه لاستطاع أن يأتي بغيره وأن يبدله حين اقترحوا عليه ، وحينئذ يكتسب أنصارا إلى أنصاره ، ويضم أعوانا إلى أعوانه ، ويكون ذلك أروج لدعوته التي يحرص على نجاحها ، لكنه أعلن عجزه عن إجابة هذه المقترحات وأبدى مخاوفه إن هو أقدم على هذا الذي سألوه ، وتنصل من نسبة القرآن إليه مع أنه الفخر كل الفخر ، وألقمهم حجرا في أفواههم بتلك الحجة التي أقامها عليهم ، وهي أنه نشأ فيهم لا يعرف ولا يعرفون عنه ذلك الذي جاء به وهو القرآن . اقرأ - إن شئت - هاتين الآيتين من سورة يونس : وقال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدّله . قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي . إن أتبع إلّا ما يوحى إلى . إني أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم * قل لو شاء اللّه ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ؟ والمعنى : أن القرآن فوق طاقتى وليس من مقدوري ، وما أنا إلا ناقل له أتبع ما يوحى إلى منه . وإني أخاف سطوة صاحب هذا الكتاب إذا أنا تلاعبت بنصوصه أو غيرت فيه . فالقرآن كلامه ، ولو أراد ألا أكون رسولا بينه وبينكم ، ما كانت لي حيلة إلى أن أتلو هذا الكتاب عليكم وتأخذوه عنى ، فقد نشأت بينكم ومكثت أكثر من أربعين سنة قبل نزوله - وهو عمر طويل - وأنتم لا تعرفون منى هذا الاستعداد الأعلى ، ولا تسمعون منى مطلقا مثل هذا الكلام المعجز ، ولم تأخذوا على قط أنى كذبت مرة على عبد من عباد اللّه ، فكيف أكذب على اللّه بعد هذا العمر الطويل ؟ ( أفلا تعقلون ) ؟ يا لها كلمة فيها من لذعة التعنيف والتخجيل بمقدار ما فيها من لفت النظر إلى قوة الدليل ! !